الغزالي
19
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
المناشر إلى دماغه صاح ، فقيل له : يا زكريا ، إن اللّه تعالى يقول لك : لم لا تصبر للبلاء ؟ تقول : آه . لو قلتها مرة ثانية لأخرج اسمك من ديوان الأنبياء . فعضّ زكريا شفتيه وصبر حتى شقوه نصفين . فيجب على العاقل أن يصبر للبلاء ولا يشكو ، فينجو من عذاب الدنيا والآخرة ، لأن أشدّ البلاء على الأنبياء والأولياء . قال الجنيد البغدادي رحمه اللّه : البلاء سراج العارفين ، ويقظة المريدين ، وصلاح المؤمنين ، وهلاك الغافلين ، لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يأتيه البلاء ويرضى ويصبر . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من مرض ليلة فصبر ورضي عن اللّه تعالى خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ؛ فإذا مرضتم فلا تتمنوا العافية » . قال الضحاك : من لم يبتل بين كل أربعين ليلة ببلية أو همّ أو مصيبة فليس له عند اللّه خير . عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه قال : إذا ابتلي العبد المؤمن بالسقم « 1 » قال لصاحب الشمال : ارفع القلم عنه . وقال لصاحب اليمين : اكتب لعبدي أحسن ما كان يعمل . وجاء في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا مرض العبد بعث اللّه إليه ملكين فقال : انظرا ما يقول عبدي ، فإن هو قال : الحمد للّه ، رفع ذلك إلى اللّه ، وهو أعلم ، فيقول : لعبدي عليّ إن أنا توفيته أن أدخله الجنة ، وإن أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، وأن أكفّر عنه سيآته » . حكي أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق وكان لا يمتنع عن الفسق حتى ضج أهل بلده وعجزوا عن منعه عن فسقه ، فتضرّعوا إلى اللّه تعالى ، فأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام أنّ في بني إسرائيل شابا فاسقا ، فأخرجه من بلدهم حتى لا تقع عليهم النار بسبب فسقه ، فجاء موسى عليه السلام فأخرجه ، فذهب الشاب إلى قرية من القرى ، فأمر اللّه موسى أن يخرجه من تلك القرية ، فأخرجه موسى عليه السلام .
--> ( 1 ) السقم : المرض .